ابراهيم بن محمد البيهقي
128
المحاسن والمساوئ
بهرك « 1 » ويقوى متنك ويفرخ روعك فتمكن في قعودك ، وكنت قاعدا على ركبتي ، فقلت : لا أضع قدر الخلافة يا سيدي ولا أجلس إلا جلوس العبد بين يدي مولاه . ثم قام فصلى ركعتين دون الأولين ثم قال : هذه رقعتك تحت رأسي قد قرأتها أربع مرات وقد صدقت في ما كتبت به ولكني امرؤ أداري عمالي مداراة الخائف وباللّه ما أجد إلى أن أحملهم على المحجة البيضاء سبيلا ، فاعمل على حسب ذلك ولن لهم تسلم منهم وفي حفظ اللّه إذا شئت . فانصرفت فدعوت أصحاب الأخبار فتقدمت إليهم في مداراة القوم والرفق بهم واللين لهم . وعن إسحاق بن أيوب بن جعفر بن سليمان قال : دخل محمد بن واضح دار المأمون وخلفه أكثر من خمسمائة راكب كلهم راغب إليه وراهب منه ، وهو إذ ذاك يلي أعمالا من أعمال السواد ، فدعا به المأمون فقال : يا أمير المؤمنين اعفني من عمل كذا وكذا فإنه لا قوة لي عليه ، فقال : قد أعفيتك ، واستعفى من عمل آخر وهو يظن أنه لا يعفيه فأعفاه حتى خرج من كل عمل في يده في أقل من ساعة وهو قائم على رجله ، فخرج وما في يده شيء من عمله ، فقال المأمون لسلم الحوائجي : إذا خرج فانظر إلى موكبه واحص من معه ، وكان المأمون قد رآه من مستشرف له حين أقبل ، فخرج سالم وقد استفاض الخبر بعزله عن عمله فنظر فإذا لا يتبعه إلا غلام له بغاشية ، فرجع إلى المأمون فأخبره ، فقال : ويلهم لو تجملوا له ريثما يرجع إلى بيته كما خرج منه ! ثم تمثل فيهم : ومن يجعل المعروف في غير أهله * يلاق الّذي لاقى مجير أمّ عامر ثم قال : صدق رسول اللّه وكان للصدق أهلا حين قال : « لا تنفع الصنيعة إلا عند ذي حسب أو دين » « 2 » وذكروا أنه كان سبب عزل الحجاج عن الحجاز أنه وفد وفد منهم فيهم عيسى بن طلحة بن عبيد اللّه على عبد الملك بن مروان فأثنوا على الحجاج وعيسى ساكت ، فلما قاموا ثبت عيسى حتى خلا له وجه عبد الملك فقام وجلس بين يديه فقال : يا أمير المؤمنين من أنا ؟ قال : عيسى بن طلحة بن عبيد اللّه ، قال : فمن أنت ؟ قال : عبد الملك بن مروان ، قال : أفجهلتنا أو تغيرت بعدنا ؟ قال : وما ذاك ؟ قال : وليت علينا الحجاج يسير فينا بالباطل ويحملنا على أن نثني عليه بغير الحق ، واللّه لئن أعدته علينا لنعصينك ، فإن قاتلتنا وغلبتنا وأسأت إلينا قطعت أرحامنا ، ولئن قوينا عليك لنقصينك ملكك ! قال : فانصرف والزم بيتك ولا تذكرن من
--> ( 1 ) البهر تتابع النفس من الإعياء . ( 2 ) أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء ( 2 / 774 ) وأخرجه ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ( 4 / 364 ) .